ما يجب أن يرسخه المعلم اليوم في متعلميه، لا يجب أن
يقتصر على ما تم الاتفاق عليه من قيم ثقافية واقتصادية ووطنية...
إن عالم الغد هو الهدف الذي تطمح المجتمعات المتفوقة
علميا إلى الوصول إليه، من خلال منظوماتها التربوية، فإن كنا حقا نريد اللحاق
بالركب، فلا مناص من الدخول إلى المستقبل بخطى ثابتة وليس بنظريات استعجالية
مستوردة.
"لم يعد يكفي الفرد أن يفهم الماضي والحاضر... ولذا
يتوجب على الفرد أن يتعلم كيف يحتسب اتجاه معدل التغيير ويتوقعه... وهذا ما يجب
على المعلم أن يفعله باستمرار، وهذه المهمة برأينا تشكل المنطق الحيوي للتربية
الحديثة في صيرورة زمنية يغيب فيها الماضي ويتلاشى فيها الحاضر كوقود
للمستقبل".
إن كلام "توفلر ألفين" في كتابه "صدمة
المستقبل" ذاك، صدمني وأنا أمارس التعليم، فماذا أعلم؟
يخشى الواحد منا في ميدان التعليم أن يصاب بالإحباط من
المخططات المستوردة، التي تفشل في كل مرة، ناهيك عن الأوضاع السيئة ووسائل العمل البدائية
مقارنة مع الزمن الذي نعلم ونتعلم فيه.
ماذا أعلم؟ سؤال أخرجني من دائرة الراحة، من الكفايات
التقليدية إن صح التعبير ( الثقافية، الفنية، الوطنية...) إلى كفاية ومجال جديدين
( مجال المستقبل) أجريت استبيانا لتلاميذي سألتهم فيه، ما هي المهنة التي تريد
مزاولتها في المستقبل؟
فكانت النتائج متنوعة لكنها كلها تصب في خانة المهن
الوظيفية الخدماتية التي تبين انحصار تفكير المتعلمين في التعلم الخبزي، وكأن
المستقبل في عقولهم مهنة تنتظر يتقلدوها وينتهي بذلك دورهم.
كان الاستثناءُ نتيجة واحدة:
ـ أريد أن أصبح عالم فلك. كانت النتيجة متوقعة بالنسبة
لي لأن صاحبها تلميذ عبقري في سن العاشرة ويعشق علوم الفضاء.
كان علي بعد الاستبيان أن أحين أهداف الدروس التي أقدمها
لتتناسب مع مجال المستقبل، ففي مجال البيئة مثلا: يكون من أهداف دراسته: توقع
التحولات والتغيرات التي ستطرأ على البيئة مستقبلا، ودراسة أسباب ونتائج ذلك.
وهكذا في كل المجالات.
حاولت أن أجعل تعلمات التلاميذ مرتبطة بما سيكونون عليه
مستقبلا، لأنهم من يساهمون في تلاشي هذا الحاضر، ويبنون المستقبل.
لقد أصبح على المعلم أن يقوم بدور عالم المستقبليات،
الذي يوفر لتلاميذه وسائل التوقع، ويدربهم على أن يكونوا مستعدين لعالم الغد، الذي
لا بقاء فيه لمن يتطلع إليه من زاويته الخاصة فقط.
في نظري يجب على منظوماتنا التربوية العربية أن تنبني
على رؤية واضحة للمستقبل، ــ أين يجب أن نكون غدا؟ــ وإلا فإن جهود أي معلم ستبقى جهودا فردية لا
تصل إلى مستوى الوعي بالمستقبل، الذي نطمح في الوصول إليه.
فكما للطائر جناحان، فإن المستقبل سيطير بنا إليه جناح
الإعداد، والزاد. الإعداد لكل الاحتمالات الممكنة التي قد تقع في أي لحظة، والزاد
المعرفي المهم والمرتبط بالأصول الأولى لحضارتنا الإسلامية (الكتاب والسنة).
عالمنا أصبح مخيفا بسبب سرعة التغير الكبيرة جدا، وبدون
تعليم مستقبلي يتجاوز الرؤية التقليدية للأمور ( فهم الماضي والحاضر فقط) فإن
المجتمعات التي غزت الفضاء... واكتشفت.... ستظل تعبث بمستقبلنا وترسمه لنا،
وسنبارك لها ذلك طبعا. لأننا لسنا جديرين ببعضنا.
وكم يحزنني حين أقرأ أن البعثات التي أرسلتها اليابان
إلى العالم عادت بأفكار ورؤى علمية نهضت بها، وبعثاتنا العربية عادت لتنادي بخلع
الحجاب وتحرير المرأة. (ليس قدحا في المرأة وإنما محاولة للقول بأن تحرير المرأة
كما أسموه كان ليحصل لو تم الالتفات إلى أصل الداء).
إنه غياب فقه الأولويات، وانبهار بالغالب، فمتى نخرج
عقولنا من مجمد الأفكار، ونفكر بشكل جماعي؟

No comments:
Post a Comment